
ماير جرجس يكتب: بين عشوائية الكثافة السكانية وتصدير العقار.. هل تُعيد مصر رسم خريطتها العمرانية؟
تواجه مصر واحدة من أعقد الإشكاليات العمرانية في تاريخها الحديث، وهي ما يمكن وصفه بعشوائية مقننة في توزيع الكثافة السكانية، فهذا الخلل لم ينشأ نتيجة فوضى مطلقة، بقدر ما هو نتاج تراكمات طويلة من القوانين، والسياسات، والموروثات المجتمعية التي أعادت إنتاج نفس أنماط التركز السكاني عبر عقود، وبينما تتكدس ملايين الأسر داخل نطاق جغرافي محدود، تعاني المدن القديمة من ضغط متزايد على البنية التحتية والخدمات، في مقابل مساحات شاسعة غير مستغلة أو مستغلة جزئيًا، رغم ما تمتلكه من إمكانات.
المشكلة في توزيع الكثافة السكانية في مصر ليست غياب التنظيم، بل على العكس، هي نتيجة تنظيمات متراكمة شجعت بشكل غير مباشر على التمركز في مناطق بعينها، سواء من خلال قوانين إيجار قديمة، وأنماط تملك موروثة، وتركّز فرص العمل والخدمات، وثقافة مجتمعية تربط الاستقرار بالمكان التاريخي، وهو ما أدى إلى تضخم المدن القائمة، مقابل بطء الانتقال إلى المدن الجديدة، رغم جاهزيتها من الناحية العمرانية.
المشكلة الحقيقية: أين يعيش الناس؟
المدن المكتظة لم تعد قادرة على استيعاب المزيد، لا صحيًا ولا بيئيًا ولا خدميًا، مدارس تعمل فوق طاقتها، ومستشفيات مزدحمة، وطرق لم تُصمم لهذا الحجم من الاستخدام، وفي المقابل، أنفقت الدولة مليارات الجنيهات على إنشاء مدن جديدة حديثة التخطيط، تمتلك بنية تحتية قوية، لكنها لم تصل بعد إلى معدلات الإشغال التي تضمن لها الحيوية والاستقرار.
تصدير العقار.. تغيير في الفلسفة لا في البيع
في هذا السياق، يبرز توجه الدولة نحو تصدير العقار كأحد الحلول غير التقليدية، شريطة فهمه بشكل صحيح؛ فتصدير العقار لا يعني بيع وحدة سكنية لأجنبي فحسب، بل هو تصدير مدينة متكاملة المعايير، وجودة حياة حقيقية، وأمان واستقرار، وإقامة طويلة الأجل، لا استثمارًا سريع الخروج، وعندما تُصمم المدن الجديدة لتكون صالحة للعيش والعمل والتعليم والعلاج، تتحول تلقائيًا إلى نقاط جذب، سواء للمواطن المصري أو للمقيم الأجنبي الباحث عن بديل معيشي مستقر.
الربط الذكي بين الكثافة السكانية وتصدير العقار
الفرصة الاستراتيجية الحقيقية تكمن في الربط بين معالجة العشوائية المقننة في توزيع السكان وتفعيل ملف تصدير العقار، بما يحقق عدة مكاسب متزامنة، من بينها إعادة توجيه الطلب السكني بعيدًا عن المناطق المكدسة، ورفع نسب الإشغال الفعلي في المدن الجديدة، وتخفيف الضغط عن المدن التاريخية، وجذب عملة صعبة دون تحميل البنية القائمة أعباء إضافية، غير أن هذا الربط يتطلب سياسات واضحة، وتشريعات مرنة، وإدارة محترفة للمدن، وتسويقًا دوليًا يعكس الصورة الحقيقية للعقار المصري.
تصدير العقار.. فرصة حقيقية لخلق وظائف بجودة أعلى
ولا يمكن إغفال البُعد الاجتماعي والاقتصادي لهذا التوجه، إذ يُمثل تصدير العقار فرصة حقيقية لخلق فرص عمل مستدامة بمستويات مختلفة من الجودة والدخل؛ فالعميل الأجنبي أو المقيم طويل الأجل يبحث عن مستوى معيشي متكامل، ما يخلق طلبًا متزايدًا على منظومة واسعة من الخدمات، تشمل إدارة وتشغيل المدن والمجمعات السكنية، وخدمات الصيانة والتشغيل الذكي، والأمن والخدمات السكنية والفندقية، والتعليم الدولي والرعاية الصحية، والنقل، والضيافة، والتجارة عالية الجودة، وهو ما يُسهم في رفع كفاءة العمالة، وتحسين مستويات الدخل، وخلق فرص عمل حقيقية تشمل مختلف الفئات.
اقتصاد خدمات.. لا بيع عقار فقط
بهذا المفهوم، يتحول تصدير العقار من نشاط بيعي محدود إلى اقتصاد خدمات متكامل، يُعيد تعريف قيمة العمل داخل المدن الجديدة، ويُسهم في تثبيت السكان، وتحقيق الاستدامة العمرانية.
الخلاصة.. عشوائية توزيع الكثافة السكانية في مصر ليست أزمة عفوية، بل نتيجة مسار طويل من التشريعات والممارسات والموروثات، ومن هنا، فإن تصدير العقار، إذا ما أُحسن توظيفه، يمكن أن يكون أداة إصلاح تدريجية لإعادة توزيع السكان، وإعادة تشكيل الخريطة العمرانية، ضمن رؤية تنموية شاملة؛ فالقضية لم تعد كم نبني، بل أين نبني، وكيف نُدير، وكيف نكسر أنماط التمركز القديم.








